|
المنظمة المغربية لحقوق الإنسان
III-
الانتهاكات التي حصلت في فترة ما قبل المحاكمة
تعد الضمانات المرتبطة بفترة ما قبل المحاكمة من أخطرها أثرا على بقية أطوار
المحاكمة.
وقد عرفت هذه المرحلة انتهاكات عديدة تتعلق بخرق قواعد شرعية الاعتقال وآجال
الوضع تحت الراسة، وقواعد المعاملة الإنسانية للمعتقلين، وقواعد تفتيش
المنازل وضبط المحجوزات، وبانتهاك قرينة البراءة، وعدم احترام حقوق المتهمين
أمام قاضي التحقيق، وبظروف الاعتقال والسجن قبل المحاكمة.
1-
الاختطاف والاحتجاز التعسفي
رغم أن الدستور والقانون المغربي يمنعان الاعتقال التعسفي، كما أن قانون
المسطرة الجنائية ينص على الحالات التي يجيز فيها القانون اعتقال الأشخاص
كحالات التلبس بالجريمة، وحالات الاعتقال تنفيذا لأمر قضائي، فإن كثيرا من
الأشخاص الذين سيحالون على المحاكمات قد تعرضوا لاختطاف على هامش القواعد
القانونية للاعتقال. فقد اختطف أشخاص من الشارع العام أو من منازلهم من طرف
أشخاص تابعين لمديرية مراقبة التراب الوطني وهو جهاز المخابرات
الأساسي، وسيقوا إلى معتقلات سرية، غالبا مقر جهاز المخابرات بالرياض- تمارة
قرب الرباط العاصمة. ولم تبلغ عائلاتهم عن مكان احتجازهم، كما لم يقدموا
للمحاكمة أو يطلق سراحهم إلا بعد فترات تتجاوز الأسبوع وتصل أحيانا إلى عدة
شهور، كما تبرز ذلك نماذج الحالات التالية:
النموذج الأول: معتقلو " الخلية النائمة" للقاعدة
ألقي القبض على السعوديين هلال جابر العسيري وزهير هلال محمد الثبثي، رفقة
أحد أصهارهم ( عبد المجيد الكارح) المغربي الجنسية، وذلك قرب مطار محمد
الخامس بالدار البيضاء بتاريخ 12 ماي 2002، في الوقت الذي كان أحدهم (زهير
الثبثي) يتأهب لمغادرة المغرب. وكانوا رفقة سيدات مغربيات اثنتان منهما
متزوجات بسعوديين من المعتقلين. وقد سيق الرجال في سيارتين، فيما تركت النساء
وحدهن حيث تدبرن أمرهن في الرجوع وحدهن إلى مدينة سلا.
وفي يوم 13 ماي 2002 ألقي القبض على السعودي الثالث المسمى عبد الله مسفر
الغامدي رفقة المغربي محمد نديري بأحد المقاهي بمدينة أكادير.
وبينما سيفرج عن الصهر (عبد المجيد الكارح)
بعد استنطاقه، بقي السعوديون الثلاثة رهن الاحتجاز بمقر المخابرات إلى حين
صدور بلاغ للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 18
يونيو 2003. يتحدث عن ضبط "خلية نائمة" كانت تعتزم القيام بتفجيرات في مضيق
جبل طارق لسفن تابعة للحلف الأطلسي، والقيام بتفجيرات في مقهى بمدينة مراكش (
ساحة جامع الفنا) وحافلات CTM
أخرى، وإحالتهم على قاضي التحقيق.
فإضافة إلى انتهاك المقتضيات المتعلقة بشرعية الاعتقال، فقد تجاوز الاحتجاز
التعسفي فترة الوضع تحت الحراسة طبقا لما ينص عليه القانون المغربي ( 48 ساعة
قابلة للتمديد لمدة 24 ساعة في الحالات العادية و 96 ساعة قابلة للتمديد مرة
أخرى في حالات جرائم المس بأمن الدولة).
وقد وجهت للمتهمين تهمة تكوين عصابة إجرامية، ومحاولة القتل العمد مع سبق
الإصرار ومحاولة التخريب العمومي بواسطة مواد متفجرة، والتزوير في وثائق
إدارية، والإقامة غير المشروعة في المغرب، والفساد ( الزواج كان عرفيا)،
بينما ستوجه لزوجاتهن ( بهيجة هيدور ونعيمة هارون) تهمة استعمال وثائق إدارية
مزورة، والفساد، وعدم التبليغ بوقوع جناية بينما وجهت لإحداهن ( حورية هيدور
أخت بهيجة هيدور) تهمة إتلاف معالم جريمة، وعدم التبليغ عن وقوع جناية.
وسيخلى سراح الصهر عبد المجيد الكارح من طرف مديرية مراقبة التراب الوطني.
وحسب محامي المتهمين، فقد تعرض هؤلاء للتعذيب ( أنظر النقطة 2 أسفله) وبعد
محاكمة تميزت بعدد من الإنتهاكات، ستصدر بتاريخ 22 فبراير 2003 أحكام اعتبرها
المراقبون غير شديدة ( 10 سنوات) في حق السعوديين الثلاثة، بينما سيحكم على
شركائهم المغاربة ( محمد مغامان، ومحمد نديري) بعقوبات خفيفة ( 8 أشهر للأول
وستة للثاني)، كما حكم على السيدات الثلاث بستة شهور حبسا- وكل هذه الأحكام
لا علاقة لها بالتصريحات الخطيرة التي تضمنها بلاغ الوكيل العام للملك، أو
بالتهم التي وجهها قاضي التحقيق إلى المتابعين. كما أدنت لهم المحكمة
باستكمال إجراءات الزواج الشرعي طبقا للقانون المغربي.
وقد لوحظ أن السفارة السعودية بالمغرب كانت حريصة على تتبع المحاكمة. وشهد
السفير السعودي بأنه لم يبلغ باعتقال السعوديين الثلاثة أو بالتهم الموجهة
إليهم أو بتاريخ تقديمهم إلى قاضي التحقيق.
النموذج الثاني: بعض المتابعين في مجموعة يوسف فكري.
حسب تصريحاته للصحافة المغربية واعترافاته أمام القضاء، فقد ارتكب المدعو
يوسف فكري جرائم خطيرة تتضمن القتل والاحتجاز والسلب والاعتداء على الأشخاص
والممتلكات من منطلق إصلاح مجتمع فاسد واستباحة أمواله. غير أن عددا من
المتابعين معه في هذه المجموعة أنكروا معرفتهم به، وصرحوا بتعرضهم للاختطاف
والتعذيب وسوء المعاملة، ومن ثمة لصنع تهم خطيرة ستقود إلى صدور أحكام قاسية
في حقهم.
وهكذا واستنادا على اتصالات عائلاتهم بالمنظمات الحقوقية وبالصحافة المستقلة،
سلمت المنظمات الحقوقية في نهاية سنة 2002 لائحة من حوالي 16 شخصا مختطفا
إلى كل من وزير الداخلية والعدل لإجلاء مصيرهم. ولم تمض سوى فترة قصيرة من
ذلك حتى أطلق سراح بعضهم فيما أحيل الآخرون على القضاء. وردا على التصريحات
الرسمية ( وزير الداخلية ووزير حقوق الإنسان ووزير الاتصال)
التي نفت وجود اختطافات، بعث تسعة أشخاص من سجنهم، بعد أن أحيلوا على القضاء،
برسالة إلى الصحافة ( أسبوعية الصحيفة عدد 97 بتاريخ 24-30 يناير 2003)
يعبرون فيها عن استغرابهم من إنكار المسؤولين لوجود اختطافات، ويؤكدون تعرضهم
للاختطاف والنقل إلى المعتقل السري لتمارة، وكيف أمضى بعضهم 3 إلى 4 شهور،
تعرضوا فيها لأنواع مختلفة من التعذيب، مشيرين أنهم علموا أثناء تواجدهم
بالمعتقل السري باستقدام 25 شخصا من معتقل "غوانتنامو"، ذكروا من بينهم محمد
تبارك ومحمد بلموجان ومحمد العلمي وسعيد بجعدية. وأخبروا أيضا باستقدام أشخاص
من باكستان هم " شعيب " وهو يحمل جنسية إيطالية، " وأبي أحمد" وأحمد المكني،
وآخرون من سوريا عرفوا منهم " جليبيب" وأنور الجابري. وصرحوا بوجود معتقلين
من جنسيات أخرى بتمارة منهم سعودي يكنى "عاصم الدب" وموريطاني وسوري. وقد
أكدوا أن الذي دفعهم إلى كتابة الرسالة هو خوفهم الشديد على ما بقي في
المعتقل السري بتمارة والذين قدروا عددهم بما يفوق 50 شخصا.
والتسعة الموقعون على الرسالة هم: صالح زارلي والتوبي لكبير وكرماج بوشعيب
وفوزي عبد الرزاق ومحمد الشطبي وكمال الشطبي ونور الدين العرفاوي ومحمد
الشاذلي وأحمد أجريف. وسوف تتم محاكمتهم ضمن ما سمي بمجموعة يوسف فكري حيث
ستصدر عليهم أحكام قاسية ( أنظر النقطةIV
) وقد حكى عدد من المختطفين أو عائلاتهم فيما بعد تفاصيل الاختطاف.
النموذج الثالث: المصير المفجع للسيد حسن الدرداري
|
|
يبلغ السيد حسن الدرداري 30 سنة، وهو أب لثلاثـة أطفال صغار، سافر رفقة
عائلته إلى أفغانستان قبيـل أحداث 11 شتنبر 2001 قصد الإقامة هناك،
وفاجأته الحرب على أفغانستان فطلب منه الرحيل، حيث عاد إلى المغرب بعد
أن اعتقـل في إيران لمـدة شهـر. وحسب تصريحاته إلى الصحافة
فقد ألقى عليه القبض في محطة القطار بطنجة يوم 7 يوليـوز 2002 مـن طرف
مجموعة من رجال الأمـن فـي زي مدنـي، فحملوه إلى الرباط. وعلى مشارفها
وضعوا عصابـة على عينيه وذهبوا به إلى مقـر المخابـرات بتمـارة، حيـث
|
خضع لتحقيق مطول كان مرفوقا بالضرب لمدة تقارب الشهر. وقد انصبت أسئلة
المحققين على تنظيم القاعدة، وعلى المغاربة الذين كانوا بأفغانستان، كما
كانوا يعرضون عليه مئات الصور للتعرف عليها. وتعرض لاستنطاق أشخاص غرباء
اعتقد أنهم أمريكيون حيث ركزوا على تنظيم القاعدة وكانت معاملتهم معه مؤدبة.
وقد احتفظ بالسيد الدرداري لمدة 5 شهور رغم انتهاء التحقيق المكثف منذ الشهر
الأول، وذلك للاستعانة به على ما يبدو للتأكد من معلومات أخرى. وفي نهاية
رمضان الذي يوافق أواخر دجنبر 2002 أطلق سراحه قرب محطة القطار بالقنيطرة
قريبا من منطقة سكنه.
لم يعرض السيد حسن الدرداري على أي محكمة، ولكن مصيره كان مفجعا. فبعد 5 شهور
من إطلاق سراحه، وقبيل يومين من أحداث الدار البيضاء ل 16 ماي 2003، وحسب
شهود عيان، فقد فاجأته وهو يقطع الطريق عائدا من صلاة المغرب، سيارة مطفأة
الأنوار صدمته وألقت به أرضا، تم جاءت سيارة أجرة كبيرة فداست عجلاتها رأسه.
وأكد أصدقاؤه للصحيفة (عدد 114 بتاريخ 24-30 ماي 2003) أنه كان يعاني بشدة
خلال الأيام السابقة من مضايقات رجال المخابرات الدين عرضوا عليه التعاون
معهم فرفض.
أهداف الاختطاف: عندما يصنع الاستنطاق الجريمة
يؤكد المختطفون بأن الأسئلة تستهدف جمع معلومات أمنية حول علاقتهم المحتملة
بتنظيم القاعدة، وحول معتقداتهم وعلاقاتهم ومعرفتهم بأشخاص، وترددهم على
أماكن محددة ( دول، منازل، مساجد)، ولا تتعلق في أغلب الحالات بجرائم محددة
قد يكونون ارتكبوها. فالاستنطاق هو الذي يصنع الجريمة، وذلك بصفة خاصة بعد
إحالة المختطفين بعد أسابيع تزيد أو تنقص على الشرطة القضائية حيث يوقعون
بالإكراه على محاضر جاهزة ( أنظر أسفله: بواعث التعذيب ضمن النقطة 2). وتجر
ممارسة الاختطاف معها عددا من الإنتهاكات الأخرى للقانون المغربي وللمعايير
الدولية على السواء. فإضافة إلى التعذيب فإن أسلوب الاختطافات لا يدخل ضمن
شكليات وشروط اعتقال الأشخاص، ولا تقوم به الأجهزة المخولة قانونا بذلك وهي
الشرطة القضائية أساسا، كما لا يحتفظ بالأشخاص في الأماكن المحددة لاعتقال
الأشخاص قانونا، ولا تخبر عائلات المختطفين بأماكن احتجازهم، كما لا يبلغ
المختطفون بأسباب الاختطاف والاحتجاز ولا بالمدة التي سيقضونها رهن الحجز.
تقاعس السلطات عن القيام بواجبها للتحقيق في الاختطافات
إن السلطات العمومية وخاصة تلك المتمثلة بوزير العدل ووزير الداخلية والسلطات
القضائية، كل من موقعه، يمكنه أن يتحرك على إثر الشكايات والمعلومات الواردة
من عائلات المختطفين ومحاميهم، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن الصحافة، للتحري
في صحة المزاعم، والعمل على وضع حد لانتهاكات. غير أنها لم تقم بذلك.
فقد تقاعست وزارة الداخلية على حماية القانون من طرف الأجهزة التابعة لها
إداريا ولاسيما مديرية مراقبة التراب الوطني (DST).
وتقاعست وزارة العدل والقضاء في القيام بوظيفتهم في حماية القانون والمجتمع
والأفراد. فوزير العدل والنيابات العامة وقضاة التحقيق يتلقون الشكايات أو
يطلعون على الجرائم عبر الصحافة. وتعد انتهاكات حريات الأفراد مسا بالنظام
العام يتعين على السلطات القضائية التحقيق فيها ومتابعة مقترفيها وجويا.
وتتحمل الحكومة بقيادة الوزير الأول مسؤولية سياسية في استمرار هذه
الانتهاكات التي أصبحت مشاعة على العموم، ولاسيما عبر الصحافة. ولم تقم
الأجهزة التي أسست لحماية الحقوق والنهوض بها ( وزارة حقوق الإنسان والمجلس
الاستشاري لحقوق الإنسان) بدورها. فهؤلاء جميعا تقاعسوا عن القيام بواجبهم
طبقا لما يخوله لهم القانون من صلاحيات. ففي أغلب الحالات بقيت شكايات
العائلات والمحامين بدون جواب. وعندما تحركت السلطات العمومية فلكي تنفي وجود
اختطافات عبر تصريحها لوسائل الإعلام العمومية أو للصحافة.
2- التعذيب وسوء المعاملة
لقد صرح عدد من المتابعين أمام المحاكم سواء بالدار البيضاء، الرباط أو فاس
مثلا، بتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة لإجبارهم على الإدلاء بمعلومات أو
للتوقيع على المحاضر. ولم تكن تصريحاتهم تؤخذ بالاعتبار، بل أن المحكمة غالبا
ما كانت تحثهم على الجواب على أسئلتها وتصرفهم عن الموضوع ( انظر النقطةIV
لاحقا).
وإضافة إلى ما أوردته الصحافة والدفاع عن تعذيب المتهمين في ملف الخلية
النائمة أو المختطفين الذين توبعوا في مجموعة يوسف فكري، فإن هناك حالات أكد
فيها محامو المتهمين مباشرة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ممارسة الاغتصاب
والتعذيب على موكليهم كحالات عبد المجيد الرايس وعبد الغني بنطاوس اللذان
حوكما أمام استئنافية الرباط. فقد صرح الأخير ( وهو أستاذ للتربية الإسلامية)
لمحاميه أنه إضافة إلى التعذيب وللاغتصاب بالأيدي 3 مرات. أن هناك من هدد
بالاغتصاب أو باغتصاب زوجته أو ابنته أمامه. وأوردت جريدة الأحداث المغربية
إثارة هؤلاء المتهمين لتعرضهم للتعذيب أمام المحكمة خلال شهر غشت 2003. وأمام
استئنافية الدار البيضاء طلب دفاع المتهمين سعيد أغمير وسعيد غيلان ومصطفى
ضبت إجراء خبرة عليهم للتأكد من ممارسة التعذيب. وأوردت صحيفة الأحداث
المغربية
تصريح مصطفى ضبت بأن جلاديه وضعوا قارورة في دبره.
وقد تردد كثيرا خلال المحاكمات ادعاء العديد من المتهمين بأنهم قد تعرضوا
للتعذيب خلال فترة اختطافهم. هذا الاختطاف والمعاملة الذين قاذا أحيانا إلى
وفيات كما توضح ذلك حالتي عبد الحق بنتاصر ( مول السباط) والدكتور محمد أبو
النيت.
أولا: حالة عبد الحق " مول السباط"
|
|
يبلغ السيد عبـد الحـق بنتاصر 30 سنـة (ازداد 1973) متـزوج وأب
لطفليـن. وقد كان يلقـب "بمول السباط" لأنه يتاجر في الأحذية. وقد
اعتقل أمام منزله بفاس بعد أحداث الدار البيضـاء 16 مـاي 2003 ب 5
أيـام أي 21 ماي حســب تصريحات عائلته للصحافة.
وفي 28 ماي 2003 أعلن الوكيل العام للملك لـدى محكمـة الاستئناف بالدار
البيضاء في بيان للرأي العام وفـاة السيد عبد الحق بنتاصر-
|
مفيدا أنه اعتقل بتاريخ 26 ماي 2003 لتورطه في أحداث 16 ماي. وأن المحققين لم
يتمكنوا من استكمال البحث معه بسبب أوضاعه الصحية. وأنه لفظ أنفاسه عند نقله
إلى المستشفى. وأن التشريح الطبي أفضى إلى أن الوفاة كانت طبيعية ناتجة عن
مرض مزمن في القلب وآخر في الكبد ناتج عن تعاطي الأدوية.
وقد طالبت كل من المنظمة المغربية والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بفتح
تحقيق نزيه وإجراء تشريح مضاد على جثة الضحية. حيث أن عائلته تؤكد اعتقاله
يوم 21 ماي من باب منزله في الساعة السادسة مساء، وأنه كان بصحة جيدة، يمارس
الرياضة ولا يتناول أي أدوية. وأن الشرطة قامت بتفتيش منزله غداة اعتقاله، أي
بتاريخ 22 ماي وأخذت معها بعض الكتب والأشياء، مخبرة عائلته بأنه في حالة
فرار. وأن زوجته استدعيت يومي 26 و 27 إلى مقر الشرطة لاستنطاقها وإخبارها أن
زوجها لازال في حالة فرار. وهو ما يتنافى مع تصريح وكيل الملك الذي يؤكد أن
زوجها كان رهن الاستنطاق بين يدي المحققين عندما تدهورت حالته الصحية! هذا،
وحسب علم المنظمة لم يتم أي تحقيق أو تشريح مضاد.
ثانيا: حالة السيد محمد أبو النيت
|
|
يبلغ السيد محمد أبو النيـت 33 سنة ( ازداد في 1970) وكان أستاذا
للفلسفة والفكـر الإسلامـي بمدينة تارودانت القريبة من أكادير. متزوج
وأب لطفلتين. وحسب ما روته أخته للصحافة فقـد بدأ كل شئ يوم الثلاثاء
17 يونيو 2003 عندما زاره مجموعة أشخاص بمسكنـه بتارودانت، قدمـوا
أنفسهم باعتبارهم تابعيـن لجهـاز مديرية مراقبة التـراب الوطنيDST،
ليسألـوه عن انتمـاءاته وبعض كتاباتـه وعلاقته ببعـض شيـوخ ما
|
أصبح يتعارف عليه بالسلفية الجهادية كالسيد حسن الكتاني الذي كانت تربطه به
علاقة صداقة. وكان أسلوبهم لبقا معه ولا يتضمن أي عنف أو تهديد. واستمرت
الاستنطاقات حسب العائلة بواسطة التلفون خلال الأربعة أيام التالية. وفي يوم
السبت 21 يونيو سيأتي المحققون ليحملوا معهم السيد أبو النيت إلى أكادير.
وانتظرت عائلته عودته، إلى أن فوجئ والداه بمراكش يوم 24 يونيو بزيارة رجال
الأمن، حيث اصطحبوا معهم أحد إخوانه إلى مستودع الأموات ليتعرف على جثته!
وأخبر أنها وجدت بمكان مجهول خلف مركب تجاري بالمدينة.
وقد ادعت السلطات فيما بعد أن سبب وفاة محمد أبو النيت يرجع إلى محاولة فراره
من السيارة التي كانت تنقله إلى الدار البيضاء. وهي الرواية التي كررها السيد
وزير العدل في لقائه بالمنظمات الحقوقية المغربية ( المنظمة والجمعية ومنتدى
الحقيقة والإنصاف) في لقائهم معه بتاريخ 21 يوليوز 2003. مضيفا أن عنصرين
تابعين للفرقة الوطنية للشرطة القضائية يتابعان في هذه الحادثة. غير أنه لم
يبلغ إلى علم المنظمة أي تطورات في الموضوع منذ ذلك الحين. وقد راسلت المنظمة
المغربية لحقوق الإنسان السيد وزير العدل مطالبة منه إفادتها بمستجدات
المتابعة التي قال إنها تمت في حق أولئك الذين يتحملون مسؤولية في وفاة السيد
أبو النيت، والتدابير التي تكون قد اتخذت لجبر الضرر بالنسبة لعائلته. وإلى
حد كتابة هذا التقرير ( نوفمبر 2003) لم تتلق المنظمة أي جواب.
بواعث التعذيب
لقد ارتبطت أغلب ممارسات التعذيب بهدف انتزاع معلومات من المعتقلين أو التأكد
منها. وقد تورطت جهات خارجية في هذه الممارسة، فحسب جريدة "الواشنطن بوست"Washington
Post
المؤرخة ب 26 دجنبر 2002 فقد استعانت الولايات المتحدة الأمريكية في حربها
المعلنة ضد الإرهاب بالأجهزة السرية لبعض الدول من بينها المغرب. حيث كانت
تسلمهم بعض المعتقلين رفقة قائمة من الأسئلة التي تكون محور الاستنطاقات، دون
اتباع المساطير القانونية في التسليم والتعاون القضائي والأمني.
وستظهر تصريحات بعض المتابعين خلال المحاكمات أن التعذيب كان له أحيانا هدفان
إضافيان: فطبقا لهذه التصريحات فقد مورس العنف ضد بعض المعتقلين لإجبارهم على
إقحام أسماء أشخاص بما يبرر اعتقالهم ومحاكمتهم بدورهم، بدعوى أن اتهامهم جاء
بناء على تصريحات أشخاص مجرمين أكدوا مشاركتهم بشكل من الأشكال. فقد أوردت
الصحيفة
في تغطية محاكمات فاس أن المعتقل الطهراوي أجبر تحت الضغط على التصريح أن
خالد تاجري ( وهو متابع بدوره) هو الذي لقن له الدعاء الذي يمس بمقدسات
البلاد.
وأكد أحد المحامين للمنظمة أن موكليه في ( قضية " الخلية النائمة") تمت
محاولة دفعهم إلى التصريح بوجود علاقة بين تنظيم القاعدة والعراق، في الوقت
الذي كانت طبول الحرب تقرع تمهيدا للحرب عل العراق.
وسيؤكد للمنظمة عدد من المحامين الذين نابوا في هذه الملفات أن أغلب
المتابعين في عدد من المجموعات لا تربط بينهم في الحقيقة أي رابطة. وهذا
الإقحام هو الذي يفسر إلحاح بعض المتابعين ودفاعهم في أغلب الأحيان على طلب
استدعاء الشهود، ولاسيما أولئك الذين صرحوا بأن المتهمين شاركوهم أعمالهم أو
حرضوهم أو اقترفوا عملا يبرر محاكمتهم. كما أن هذا الإقحام القسري ربما هو
الذي يفسر – من بين أمور أخرى- رفض المحكمة بشكل منهجي لهذا الطلب (انظر
النقطةIV
أسفله).
وهناك هدف آخر للتعذيب، فقد استعمل أو هدد باستعماله لإجبار المعتقلين على
التوقيع على المحاضر المتضمنة " لاعترافاتهم" حتى دون قراءتها أو الإطلاع على
محتواها.
3- خرق إجراءات تفتيش المنازل وضبط المحجوزات
لقد نظم قانون المسطرة الجنائية مسطرة تفتيش المنازل بما يوفق بين حرمة
المنازل المحمية دستوريا وضرورات التحقيق في الجرائم وتوفير وسائل الإثبات.
فأحاط التفتيش والحجز بشروط وشكليات. فمن حيث الوقت منع تفتيش المنازل بعد
التاسعة ليلا وقبل الخامسة صباحا حتى لا يحصل إزعاج أو ترويع لساكنة المنزل
إلا في حالات استثنائية (طلب رب المنزل أو توجيه نداء من داخل المنزل). أو
الحالات الاستثنائية التي قررها القانون، مثلا القانون الجديد المتعلق
بمكافحة الإرهاب ضمن شروط محددة.
كما اشترط القانون تحرير محضر بشأن التفتيش يتضمن سبب القيام به ووقته ومكانه
وحضور صاحب المنزل أو من ينوب عنه (في حالة التلبس) أو رضاء صاحب المنزل
المكتوب خارج هذه الحالة. وتلف الأشياء المحجوزة ويختم عليها (الفصل 61
القديم من قانون م.ج الفصل 59 الجديد).
وقد وضح قانون المسطرة الجنائية ضرورة توقيع محاضر عمليات التفتيش من طرف
الأشخاص الدين أجري التفتيش بمنازلهم أو من يمثلهم أو الشاهدين في حالة تعذر
حضور صاحب المنزل أو من يمثله. وقد رتب قانون المسطرة الجنائية البطلان على
الإخلال بشكليات تفتيش المنازل (الفصل 65 القديم، الفصل 63 و210
الجديد). ذلك إن هذا الإخلال لا يخرق حقا محميا دستوريا فحسب، بل إنه يمس
بمصداقية وسائل الإثبات المترتبة عن التفتيش والحجز.
وعلى غرار الانتهاكات التي طالت إجراءات الاعتقال فقد أكد عدد من المعتقلين
ومحاموهم أو عائلاتهم عدم احترام شكليات تفتيش المنازل وضبط المحجوزات. لقد
أكدت زوجة السيد عبد الحق بنتاصر أنه غداة اعتقاله اقتحمت مجموعة من رجال
البوليس بزي مدني منزله في الخامسة والنصف صباحا مصرحين أنهم من البوليس- "
وكانوا يصرخون ويضربون بأحذيتهم الثقيلة في كل مكان، أخذوا كل وثائقه وصوره،
بما فيها الكتاب الذي يوثق للديون التي كانت بذمته وتلك التي من المفروض أن
يستخلصها من شركائه..." وتضيف أنهم "عادوا مرة أخرى بعد ساعتين فجمعوا ما
تبقى من أغراض عبد الحق بما فيها كتبه وعينات من الأدوات التي كان يستعملها
لصناعة الأحذية وسيما نوعا خاصا من اللصاق".
وهكذا فإذا كان وقت التفتيش يدخل في المدة المسموح بها قانونا، فإن الخامسة
والنصف صباحا تعد توقيتا غير مناسب في هذه الحالة بالنسبة لعائلة مروعة
باعتقال عائلها، ولا تتطلبها ضرورة ملحة ولاسيما أن فإن باقي الشكليات لم
تحترم، بما في ذلك حضور رب المنزل، وهو في تلك الساعة موجود بيد البوليس،
وكذا موافقته. كما لم تدون عمليات التفتيش في محضر، ولم يختم على المحجوزات
طبقا للقانون.
وقد أكد بعض المحامين أن اقتحام منازل بعض المشتبه بهم كمحمد دمير قد تم بعنف
من طرف مجموعة كبيرة من قوات الأمن وبشكل مباغث مخافة فرار المشتبه به، ولأنه
كان قوي البنية ويتوفر على مستوى معين في فنون المصارعة فقد تم ضربه بالرصاص.
وفي قضية " الخلية النائمة" أكد صهر السعوديين المعتقلين ما يفيد تجاهل كل
الشكليات المتعلقة بتفتيش المنازل. ففي استجواب مع صحيفة التجديد
صرح بما يلي: " رافقت رجال المخابرات عند عائلة " وردية"، فقد أصيبت المرأة
بحالة هستيرية لما رأت 12 رجلا يقتحمون منزلها، فأخبرتهم أن أولادها اطلعوها
على محتويات الحقيبتين، إلا أن رجال البحث لم يعيروا اهتماما لما قالت، ولم
تدون أجوبتها في محضر، ولم تدون عمليات البحث التي أجريت في منزلها، فضاعت
بالتالي حقيقة وأسرار هذه الحقيبة". وحول تفتيش منزله أجاب الرجل: " اقتحم
رجال المخابرات منزلي فحولوه رأسا على عقب، فتشوا كل شئ عثروا عليه، فحجزوا
عدة أشياء خاصة بين منها حقيبة، رسائل ملكية، قرارات تعييني بالوظيفة
العمومية، جواز سفر، بعض الشيكات، أشرطة فيديو وأشرطة مسموعة، وثائق وأختام
تتعلق بجمعية خيرية أرأسها، بعض الصور التذكارية مع بعض الشخصيات النافذة
(...) وكل هذه الحوائج لازالت مصادرة لحد الآن".
ويؤكد أحد محامي المتهمين في هذا الملف لأسبوعية الصحيفة: " ...كان طلبنا
كدفاع يرمي إلى إحضار المحجوزات التي لم يتم التنصيص عليها في المحضر، فهناك
أمتعة ووثائق مثل تذكرة الطائرة وحقائب بها أمتعة ومبالغ مالية استحوذ عليها
الجهاز الذي قام باختطاف الأظناء ولم يشر إليها في المحضر .."
وصرح للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان محام رافع أيضا في القضايا المرتبطة
بملفات الإرهاب بأن رجال الأمن استولوا على مبالغ مالية وعلى حواسيب وأشياء
أخرى.
4-
انتهاك قرينة البراءة
لقد التزم المغرب منذ 1979 بالعهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، الذي
تنص مادته الرابعة عشرة في فقرتها الثانية على ما يلي: " لكل فرد متهم بتهمة
جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون". وقد كرس
قانون المسطرة الجنائية في صيغته الجديدة هذا المبدأ وبوأه مكان الصدارة حيث
جاء بالمادة الأولى: " كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى
أن تثبت إدانته بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به بناء على محاكمة عادلة
تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. يفسر الشك لفائدة المتهم".
غير أن هذا المبدأ الجوهري وقع الإخلال به من طرف السلطات العمومية من خلال
وسيلتين.
1- تصريحات الوكلاء العامين للملك -ولاسيما في الدار البيضاء والرباط؛
2- تقديم أغلب الأشخاص المتابعين في حالة تلبس بالجريمة.
كما أن هذا المبدأ تم المس به أيضا من طرف بعض الصحف.
أولا: تصريحات الوكلاء العامين للملك
في قضية ما سمي " بالخلية النائمة" للقاعدة، ألقى الوكيل العام للملك بالدار
البيضاء بيانا صحفيا في 18 يونيو 2002 (بعد حوالي شهر من اختطاف المعنيين
بالأمر)، وهو بيان تناقلته وبتثه الصحافة ووسائل الإعلام السمعية والبصرية
بالمغرب، يخبر فيه عن تفكيك خلية نائمة لتنظيم القاعدة وذلك في إطار انخراط
المغرب في الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب. وأضاف البيان أن مصالح الأمن ضبطت
مواطنا سعوديا يدعى زهير الحايلي يعمل على استقطاب مغاربة للذهاب إلى
أفغانستان ويخطط لعمليات ضرب أهداف داخل المغرب رفقة عناصر إرهابية، وأنه على
علاقة بمواطنين سعوديين آخرين هما هلال عوض العسيري وعبد الله مسفر الغامدي
اللذان يتواجدان بدورهما بالمغرب، واتضح أنهم ينتمون لتنظيم القاعدة".
وقد تكررت تصريحات مشابهة للوكيل العام للملك في الدار البيضاء بخصوص الأشخاص
المقدمين للمحاكمات. ففي مساء يوم الجمعة 27 يونيو 2003 جاء في تصريحه" .. إن
الأشخاص الذين سبقت إحالتهم في هذا الإطار على السيد قاضي التحقيق لدى محكمة
الاستئناف بالدار البيضاء ممن لهم علاقة مباشرة أو ارتباط بأحداث التفجيرات
الانتحارية التي ضربت عدة مواقع بمدينة الدار البيضاء..".
وفي بيان مشابه أصدره الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط في نفس
الوقت أكد أنه تم تقديم ثلاثة أشخاص إلى النيابة العامة بمحكمة الاستئناف
بالرباط عشية يوم 26 يونيو2003 وهم عبد الغني بن الطوس وعبد الرحمن العطشان
ورشيد أحاريز- وجاء في البيان ما يلي: " وقد تبين من البحث المجرى في هذا
الشأن أن جميع هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى تيار السلفية الجهادية وكانوا يعقدون
اجتماعات مع مشايخ وأقطاب هذه الحركة ويدعون إلى الجهاد وتغيير المنكر ولو
باستعمال العنف أو ما يسمى " بالخرجات التعزيرية" ويقومون بالتخطيط والتحريض
على ارتكاب أعمال إرهابية الهدف منها زعزعة الأمن والنظام العامين والاعتداء
على ممتلكات الأشخاص وسلامتهم". وفصل البيان ما فعله كل من عبد الغني بن
الطاوس ورشيد أحاريز وعبد الرحمن العطشان، فعزا للأول مثلا:" ... الترصد بعدة
أماكن للاستيلاء على أموال بعض الأشخاص والمؤسسات البنكية هادفا من وراء ذلك
القيام بعمليات تخريبية، إضافة إلى تأليفه لفرق مسلحة الهدف منها المس بسلامة
الدولة (..)".
إن من حق بل واجب السلطات العمومية أن تحيط المواطنين علما بتطورات بعض
الأحداث التي تهز الرأي العام وتشيع الخوف وعدم الأمان، لطمأنتهم على أن
الدولة تقوم بواجبها في محاربة الجريمة وملاحقة مرتكبيها. ويمكن لها أن تخبر
الرأي العام باعتقال عدد معين من المشتبه فيهم، دون ذكرهم بالاسم، والإجراءات
التي ستتخذ بما في ذلك إحالتهم على العدالة. غير أن مبدأ قرينة البراءة
يتعارض مع التأكيد للرأي العام على اعتبار بعض الأشخاص مجرمين مع ذكرهم
بالأسماء وعزو أفعال إجرامية إليهم في الوقت الذي لازال القضاء لم يقل كلمته
في حقهم. فهذه التصريحات لن تعدم تأثيرا على مجريات العدالة، وستشكل ضغطا على
القضاء، واستباقا لما يمكن أن يصدر عنه من أحكام. كما أنها تعد إفشاء لسرية
التحقيق كمبدإ يلزم الجميع.
ثانيا: ادعاء حالة التلبس
إن الانتهاك الآخر لقرينة البراءة يتمثل في تقديم عدد كبير من الأشخاص
للمتابعة والمحاكمة – في الدار البيضاء والرباط مثلا- باعتبارهم في حالة
تلبس، والحالة أن شروطها غير متوفرة فيهم طبقا للقانون المغربي. فباستثناء
الأشخاص الذين قبض عليهم في مكان الجريمة، فإن الكثيرين من الذين أحيلوا على
مختلف المحاكم واعتبروا في حالة تلبس اعتقلوا من منازلهم أو من الشارع العام
وهم ليسوا في حالة تلبس بمفهوم المادة 58 من قانون المسطرة الجنائية ( المادة
56 في الصيغة الجديدة)- فهذه المادة تعتبر أن التلبس يتحقق في ثلاث حالات:
إذا ضبط الفاعل أثناء ارتكاب الجريمة أو على إثر ارتكابها؛ وإذا كان الفاعل
ما زال مطاردا بصياح الجمهور على إثر ارتكابها؛ وإذا وجد الفاعل بعد مرور وقت
قصير على ارتكاب الفعل حاملا أسلحة أو أشياء يستدل معه أنه شارك في الفعل
الإجرامي أو وجد عليه آثارا وعلامات تثبت هذه المشاركة.
فرغم أن المبرر الذي استعمل لاعتقال ومحاكمة بعض الأشخاص كان هو اعترافات
معتقلين آخرين -وهم بدورهم لم يعتقلوا في أغلب الحالات طبقا للشروط
القانونية- فإن هذه الاعترافات حتى على فرض حصولها طبقا للشروط القانونية،
وحتى لو جاءت من أشخاص ضبطوا في حالة تلبس بالجريمة، فإنه لا يمكن البناء
عليها لإضفاء حالة التلبس على الأشخاص الآخرين الذين يتم اعتقالهم بعد مرور
فترة غير قصيرة. فقد يكونوا متورطين فعلا في الجرائم- وهذا ما يجب أن يثبته
التحقيق بأدلة ووسائل إثبات- ولكنهم لا يعتبرون في حالة تلبس بمفهومها
الدقيق.
إن حالة التلبس عندما تطبق على أشخاص لم يكونوا متلبسين بالجريمة وتعزى
إليهم، فإنها تنتهك قرينة البراءة. ليس معنى ذلك أن بعض هؤلاء ليسوا متورطين
بالضرورة في الأعمال التي تشكل جرائم، ولكن يجب إثبات هذا التورط بالوسائل
التي يسمح بها القانون بدلا من إلباسهم حالة لم يكونوا فيها- وهي حالة لا
تترك مجالا للبراءة.
ولعل اللجوء إلى حالة التلبس في كثير من الحالات التي يؤكدها دفاع المتهمين
يسمح بالتغطية على انتهاكات عديدة، فهو يسمح بإضفاء شرعية على الاعتقال. وهو
يسمح لجهاز الأمن باحتجاز الأشخاص دون إذن قضائي مسبق في إطار الحراسة
النظرية وقبل إخبار النيابة العامة؛ وهو ما يتيح تغطية ممارسات الاختطاف
والاحتجاز والتعذيب أيضا. فبما أن المختطفين كانوا يحالون بعد اختطافهم على
الشرطة القضائية لإعداد محاضر في إطار حالة التلبس، فإنه يسمح بالتغطية أيضا
على ممارسات الاختطاف والاستنطاق من طرف أجهزة غير مخولة وفي أماكن غير
قانونية. كما أن استعمال حالة التلبس يقلص كثيرا حظوظ المتهمين في الإفلات من
العقوبة.
ثالثا: انتهاك قرينة البراءة وأخلاقيات مهنة الصحافة
لقد لعبت كثير من الصحف المغربية دورا إيجابيا في تغطية المحاكمات وتتبع
أطوارها سيما بالرباط والدار البيضاء. فأحاطت الرأي العام بمجريات المحاكمات،
ووسعت نطاق العلنية عندما نقلت الوقائع من الجلسات دون تعليق. غير أنه في
الوقت الذي سعت فيه بعض الصحف ولاسيما الأسبوعية إلى التعامل بمهنية وموضوعية
أكبر مع المحاكمات وما يتصل بها ( صحف الصحيفة، الأيام، الاتحاد الاشتراكي،Le
journal
على سبيل المثال) انحرفت صحف أخرى رغم أنها لعبت دورا هاما في الإحاطة
والإخبار بالمحاكمات، ولكنها سمحت لنفسها أيضا بممارسات تشكل ابتعادا عن
المهنية وعن أخلاقيات مهنة الصحافة، ويتجلى ذلك في مسألتين:
1-
المسافة مع مصدر الخبر، التعددية، والموضوعية
في الوقت الذي تعاملت بعض الصحف بمهنية مع الأخبار والمعلومات، حيث لم تكتفي
بالمصادر الرسمية، وسعت إلى إعطاء الكلمة أيضا إلى عائلات المتهمين ودفاعهم
وإلى بعض ضحايا الاختطاف أو التعسفات. ومارست التحريات حول بعض الانتهاكات
الخطرة كالوفيات ( الصحيفة والأيام مثلا) كانت بعض الصحف تعتمد المصدر الرسمي
كمصدر وحيد للأخبار، متبينة الحقائق والمعلومات الرسمية بدون مساءلتها أو أخذ
مسافة منها أو موازنتها بمصادر أخرى أو تحريات. ولم تغط الانتهاكات ولا مواقف
المتهمين أو دفاعهم أو عائلاتهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصدرت بعض
هذه الصحف حكمها قبل المحكمة، وخلال تتبع أطوار المحاكمة.
2- عدم احترام قرينة البراءة
إن إحترام قرينة البراءة يلتقي مع أخلاقيات مهنة الصحافة في مجال تحري
الموضوعية في إخبار الرأي العام من جهة واحترام سمعة الأشخاص وحقوقهم من جهة
أخرى. فقد قدمت بعض الصحف مجموعة من الأشخاص المتابعين أمام المحكمة بصفتهم
"إرهابيين". وعلى سبيل المثال أوردت جريدة الأحداث المغربية بتاريخ 7 غشت
2003 تغطية جاء فيها: " وعرفت أطوار محاكمة جماعة " الصراط المستقيم" الإرهابية
شنآنا بين دفاع المتهم وممثل النيابة العامة ..." فوصف الجماعة بأنها إرهابية
يعتبر حكما مسبقا. ونفس الوصف أطلقته الجريدة في عددها يوم 5 غشت 2003 على
مجموعة سعيد النقيري المتابع أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء. وفي
تغطيتها لمحاكمة زكريا بوغرارة أوردت نفس الجريدة بتاريخ 6 غشت 2003 (ص2)
تعليقا على تصريح للمتهم أمام المحكمة: " ربما لدفع التهمة عن نفسه واعتماد
أسلوب المراوغة والتقية، وهي من المبادئ الأساسية للمنظمات السرية المتطرفة".
إن تغطية كهذه تبرز أن الجريدة قد اتخذت موقفا متحيزا ضد أشخاص يحاكمون. فإذا
كان من حقها، ومن حق أي شخص، أن يعبر عن موقفه، وأن يختلف مع غيره صراحة في
الآراء والقناعات، فإن هذا الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى تحامل وإطلاق نعوت
وتهم خطيرة يدخل إثباتها في اختصاص القضاء، وتشكل قدفا بموجب قانون الصحافة
نفسه. وتمس بمعنويات عائلات المتهمين لأنها قد تؤثر سلبا على مصير أقربائهم
أمام المحكمة.
5- انتهاك حقوق المتهمين أمام النيابة العامة وأمام قاضي التحقيق
حسب بعض محامي المتهمين فقد كان يتم الاستماع للمعتقلين من طرف النيابة
العامة بعد تقديمهم إليها من طرف الشرطة القضائية وذلك دون أن تشعرهم بحقوقهم
طبقا للفصل 76 من قانون المسطرة الجنائية، ومن ضمنها حقهم في تنصيب محام عنهم
حالا، وحق المحامي في حضور هذا الاستنطاق الأولي، وحقهم في فحص طبي ولاسيما
عندما يصرحون بتعرضهم للتعذيب. ولم تنجز محاضر لهذه الاستنطاقات، فعلى إثرها
تتم إحالتهم على قاضي التحقيق. وفي هذه المرحلة لم تكن المعاملة مختلفة.
فرغم أن قانون المسطرة الجنائية يحيط عرض المتهمين على قاضي التحقيق
واستنطاقهم أمامه بمجموعة هامة من الضمانات تفصلها المواد 127 و128 و129 و132
بصفة خاصة.
فطبقا لهذه الفصول يتمتع المتهم المعروض أمام قاضي التحقيق:
1- بالحق في اختيار محام أو في مساعدة قضائية من محام يعينه قاضي التحقيق
حالا إن طلب ذلك ( الفصل 127)؛
2- بالحق في أن يحضر محاميه الاستنطاق الأولي المتعلق بالتحقيق في هويته
(الفصل 127) وهذا الحضور يصبح متاحا عند استنطاق المتهم فيما بعد، ولا يمكن
منعه ( الفصل 129)؛ وينبغي استدعاء المحامي برسالة مضمونة توجه إليه يومين
على الأقل قبل كل استنطاق، كما يجب جعل ملف القضية رهن إشارته يوما على الأقل
قبل الاستنطاق (الفصل 132)؛
3- بالحق في الإطلاع على التهم المنسوبة إليه ( الفصل 127)؛
4- بالحق في عدم الإدلاء بأي تصريح ( الفصل 127)؛
5- بالحق في فحص يجريه طبيب خبير إذا طلب ذلك أو إذا عاين قاضي التحقيق آثارا
تبرر ذلك ( الفصل 127)؛
6- وللمتهم الحق في أن يخبره قاضي التحقيق صراحة بحقوقه المندرجة تحت البنود
1 و 4 لأنها تتضمن حقا في الاختيار. أما الحقوق الأخرى (2-3-5) فهي تلزم
القاضي نفسه بتمتيع المتهم بها كإجراءات أساسية لدفاعه عن نفسه.
وبالنظر لأهمية هذه الضمانات لحقوق المتهم من جهة، وخطورة الإجراءات أمام
قاضي التحقيق على مصيره من جهة أخرى، لأن التصريحات والاعترافات أمامه هي
اعترافات وتصريحات قضائية، فقد رتب قانون المسطرة الجنائية البطلان على
الإخلال بها بالفصل 190 من قانون المسطرة الجنائية القديم ( الفصل 210 طبقا
للقانون الجديد).
ومع الأسف فقد ذكر دفاع عدد كبير من المهتمين أن بعض قضاة التحقيق أخلوا
بواجباتهم التي يفرضها عليهم القانون في تمتيع المتهمين بهذه الحقوق.
إن بعض المتهمين لم يخبروا أصلا أنهم أمام قاضي التحقيق. ففي ملف الخلية
النائمة مثلا أكد دفاع المتهمين أنهم هددوا من طرف جهاز المخابرات بأنهم
سيعرضون على المسؤول الأول في جهاز المخابرات وإذا نفوا أي تصريح من
التصريحات التي سيواجههم بها فسيردون إلى التعذيب. وعندما أصبحوا يتمتعون
فيما بعد بالمحامي واجهوا قاضي التحقيق بأنه لم يقل لهم إنه قاضي التحقيق عند
أول مرة التقوا به، وقالوا: "لو كنا نعلم أنك قاضي التحقيق لما سايرناك ليس
فيما كنت تطرح علينا من أسئلة بل من إجابات، فماذا ستنتظر ممن تعرض لشهر من
التعذيب أن يقول في هذه الظروف".
وأكد دفاع عدد من المتابعين إثر أحداث 16 ماي 2003 " أن جميع المحاضر تم
إنجازها من طرف مديرية مراقبة التراب الوطني (...) ثم وقعت إحالتهم مرة ثانية
إلى قاضي التحقيق الذي استمع إليهم بدون حضور دفاع وبدون تمتيعهم بكافة
المقتضيات القانونية المنصوص عليها في الفصل 127 وغيره من قانون المسطرة
الجنائية (...) نعم، جميع المتهمين الذين تمت محاكمتهم أمام محكمة الاستئناف
بالرباط أكدوا أن قاضي التحقيق لم يشعرهم أنهم في المحكمة، وأن لهم الحق في
عدم الإدلاء بأي تصريح إلا بحضور محام، وأن لهم الحق في تنصيب دفاعهم، بل
أكثر من هذا فإن المحاضر التي دونت في التحقيق الابتدائي أمام قاضي التحقيق
لم يطلع عليها المشتبه فيهم، ولم يسمح لهم بقراءتها وإنما ألزموا بالتوقيع
عليها، وأكد لنا جميعهم أن التصريحات الواردة بهذه المحاضر غير صادرة عنهم ".27
ولم يثبت في أي حالة إجراء قضاة التحقيق لخبرة على المتهمين بسبب تعرضهم
للتعذيب. وقد رفض القاضي طلبات المحامين في هذا الباب. كما أكد المحامون رفض
القضاة توجيه المحامين أسئلة للمتهمين ولاسيما تلك المتعلقة بتواريخ اعتقالهم
وأماكنها وظروفها وظروف إجراء البحث وممارسات التعذيب وأساليبه أو هل سبق
إشعار المتهم بحقوقه بموجب الفصل 127 أو لتوضيح وقائع واتهامات، واعتبروها
غير منتجة. وأكدوا للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان "أن قاضي التحقيق كان
يتركهم ينتظرون في أوقات غير مناسبة كالواحدة منتصف النهار أو الثانية عشرة
ليلا وهو في مكتبه طيلة اليوم، بينما المتهمون في زنازن المحكمة بدون فطور
ولا غذاء ولا عشاء، ويمنع حتى على عائلاتهم تسليمهم أغذية أو ملابس".
وقد اشتكى المحامون من عدم تبليغهم أوامر قاضي التحقيق ولاسيما تلك المتعلقة
بانتهاء البحث أو بالإحالة على المحكمة، مما فوت عليهم فرصة الطعن فيها أمام
الغرفة الجنحية أو تقديمهم طلباتهم المتعلقة باستماع إلى الشهود أو
بالمعاينات أو بالسراح المؤقت.
ورغم أن القانون يرتب البطلان على خرق المقتضيات المتعلقة بحقوق الدفاع (
الفصل 190) فقد ذهبت نداءات وطلبات المحامين أدراج الرياح سواء في مراحل
التحقيق أو أمام المحكمة.
6- ظروف الاعتقال والسجن قبل المحاكمة
خلال فترة التحقيق وقبل المحاكمة يحال المعتقلون الذين يوجدون في حالة
الاعتقال الاحتياطي على المؤسسات السجنية. ورغم أن تشريع السجون عرف إصلاحا
هاما منذ ( 1999-2000) ينسجم مع القواعد الدولية لمعاملة السجناء، فقد عرفت
العديد من السجون المغربية بعد أحداث 16 ماي تحولات سلبية كبيرة بعضها يعد
أحيانا هيكليا، كما هو الحال في سجن سلا. وقد كان لهذه التحولات تأثير على
أوضاع كافة نزلاء السجون، وعلى طوائف خاصة منهم.
أ- سجن وسط السجن
فبالنسبة لسجن سلا، القريب من الرباط، وهو السجن الذي ضم عددا كبيرا من
المتابعين في علاقة بالأعمال الإرهابية ل 16 ماي 2003، بدأت تعديلات على
هندسة السجن بعد مضي أسبوع واحد فقط على الأحداث. فبعد زيارة مسؤولين أمنيين
كبارا ( مدير جهاز المخابرات والمدير العام للأمن الوطني) تم بسرعة قياسية
بناء جناح خاص وسط السجن مخصص للمعتقلين المتهمين بالتورط في الأحداث
المذكورة، عبارة عن سجن وسط السجن، فقد تم تحويل جناحين خاصين كانا
يتضمنان عنابر يأوي كل منها 8 أشخاص ( 50 عنبرا)، إلى مجموعة كبيرة من
الزنازن الانفرادية بدون نوافذ، وتخضع لحراسة خاصة، ويصلها بالعالم الخارجي
بوابة مستقلة عن المداخل الرئيسية الأخرى ( أنظر الرسم).
رسم عن أسبوعية الأيام العدد 4 بتاريخ 10-16 يوليوز 2003
وقد وزع سجناء الجناحين السابقيين ( أكثر من 1000 شخص) على سجون بمدن مغربية
أخرى دون سابق إنذار لعائلاتهم.
ب- سوء المعاملة وظروف الاعتقال
وقد اشتكى النزلاء الجدد بهذا الجناح الجديد، من الزنازن الضيقة والرطبة، ومن
سوء التغذية، ومن حرمانهم من وسائل العبادة والاستحمام، ومن الاتصال بالعالم
الخارجي بما في ذلك عائلاتهم لمدة تزيد عن شهرين. وقد خضع المعتقلون إلى
مراقبة أمنية مشددة بما في ذلك بواسطة حراس يرتدون بذلة خاصة وأجهزة اتصال.
وذلك في تمييز واضح ضدهم خلافا لباقي السجناء.
ج- خرق السر المهني في العلاقة بالدفاع
إن هذه الوضعية الشادة مست أيضا اتصالهم بمحاميهم، فقد اشتكى هؤلاء صعوبة
التواصل مع موكليهم، " حيث تم حرمانهم من القاعات المخصصة للمحامين، فأصبحوا
يقابلونهم في قاعة مخصصة للموظفين، وهي قاعة كبيرة جدا تتوفر على كاميرا
وأجهزة تصنت، حيث لا يستطيع المحامي أن يتخابر مع موكله إلا وهو تحت المراقبة
وفي حضرة عدة حراس وهو ما يخل بسرية المخابرة المحمية قانونا، ولم يكن يسمح
بالدخول إلى هذه القاعة إلا لمحام واحد وزبون واحد، وباقي المحامين يضطرون
للانتظار أكثر من ثلاث أيام للحصول على فرصة زيارة موكليهم (...) وبعد أن حصل
هذا الحرج اقترح مدير السجن على المحامين أن يستقبلوا جميعا موكليهم في نفس
القاعة مرة واحدة، وهنا أصبحت القاعة لا تسمح بتاتا بشروط التخابر، حيث لا
تستطيع أن تسمع ما يقوله موكلك ".
د- تدخل الأجهزة الأمنية
وقد استمر تدخل الأجهزة الأمنية في السجون- التي تخضع قانونا لإشراف وزارة
العدل- فقد حمل عبد الغني بن الطاوس من سجنه إلى مقر المخابرات بتمارة ومكث
هناك أسبوعا ( من 23 يوليوز إلى 31 يوليوز 2003) من الوقت الذي بقي محاميه
يسأل عنه، لأن الجلسة كان قد عين تاريخها في 8 غشت 2003. وحسب المحامي فقد
رفض المعتقل وهو في السجن التوقيع على محضر الإذن بالتفتيش فاختطفوه وعذبوه
حتى اضطر إلى التوقيع.
وقد اشتكى أربع سجناء في قضايا ذات صبغة سياسية (من مجموعة حسن أغيري
المحكومين منذ 1994 أمام المحكمة العسكرية بالرباط بأحكام تراوحت بين 5 و 20
سنة سجنا). في بيان للرأي العام مؤرخ ب 11 يونيو 2003- تراجع الإدارة في
السجن المركزي بالقنيطرة عن تمتيعهم بظروف سجن مقبولة كانوا قد اكتسبوها خلال
السنوات السبع التي قضوها بالسجن. مبررة ذلك بتداعيات الأعمال الإرهابية حسب
بيانهم، وأعلنوا دخولهم في إضراب عن الطعام. كما أصدرت عائلاتهم بيانا بنفس
التاريخ مشيرة إلى محنتها ومحنة أقربائها.
وقد اشتكت المنظمات الحقوقية المغربية في لقاء مع وزير العدل بتاريخ 21
يوليوز 2003 أسلوب تعامل مدير إدارة السجون مع مطالبها ومراسلاتها المتعلقة
بأوضاع السجون. وهو ما كررته بعض الصحف.
7- متابعة واعتقال صحفيين ومحامين
لقد تزامنت حملة الاعتقالات والمحاكمات مع متابعة واعتقال عدد من الصحفيين
والمحامين، مما يطرح أسئلة مشروعة حول ما إذا كان الهدف من هذه المتابعات هو
بعث رسائل واضحة ومؤثرة إلى الصحافة والمحامين في فترة يعد دورهم حاسما في
التأثير على الرأي العام وعلى حقوق الدفاع.
وإذا كانت متابعة واعتقال الصحفي علي لمرابط قد استندت على قانون الصحافة
حصرا، فإن متابعة واعتقال الصحفيين مصطفى العلوي، محمد الهرد، مصطفى قشنني
وعبد المجيد بن الطاهر قد استندت في نفس الوقت على قانون مكافحة الإرهاب وعلى
قانون الصحافة- ولم تكن الوقائع التي تمت على أساسها هذه المتابعات
والمحاكمات تبرر المعاملات والأحكام القاسية التي صدرت في حق عدد منهم كما
سيتضح من عرض حالاتهم.
حالة علي لمرابط
يمتهن علي لمرابط نوعا من الصحافة الساخرة، وقد سبق أن تم منع أسبوعيتهDemain
سنة 2001 فأسسDemain Magazine
ثم أصدر شقيقتها الناطقة بالعربية " دومان" في أواخر 2002. وتصدر الأسبوعية
مقالات إنتقادية ورسوما كاريكاتورية تتعلق بالحكومة وبشخصيات نافذة في محيط
الملك أو جهاز المخابرات. وقد سبق أن توبعت Demain
بسبب نشرها في أكتوبر 2001 لخبر يتعلق ببيع محتمل لقصر الصخيرات وصدر في حق
علي لمرابط ( في 21 نوفمبر 2001) حكم بأربع شهور سجنا بتهمة نشر أخبار زائفة
من شأنها المس بالنظام العام. غير أن العقوبة لم تطبق. وفي شهر ماي 2003 توبع
على لمرابط على أساس الفصل 41 من قانون الصحافة بتهمة المس بالاحترام الواجب
للملك وبالوحدة الترابية وبالمؤسسة الملكية وذلك على إثر نشر أسبوعيته لرسوم
كاريكاتورية وترجمة لاستجواب أجراه السيد عبد الله زعزاع مع صحيفة إسبانية،
يصرح فيه بقناعاته الجمهورية وتأييده لحق تقرير المصير في الصحراء. وقد
اعتبرت سلطة الاتهام أن الرسم الكاريكاتوري الذي يمثل السيد ادريس البصري (
وزير الداخلية الأسبق) محمولا على العمارية
من طرف زعماء الأحزاب السياسية الوطنية السادة اسماعيل العلوي، عباس الفاسي
وعبد الرحمن اليوسفي، فيه مس بالملك، لأن الأمر يتعلق حسب سلطة الاتهام بنفس
العمارية التي استعملت عند زواج الملك محمد السادس، حيث استبدل الصحفي صورته،
حسب ادعائها، بصورة السيد ادريس البصري. كما أخذ على الصحفي نشره لاستجواب
السيد عبد الله زعزاع وخاصة الفقرات المتعلقة بقناعاته الجمهورية ورأيه في
تقرير المصير بالصحراء.
ورغم دفوعات محامي الصحفي بأن الأمر لا يمس إطلاقا بالاحترام الواجب للملك في
الكاريكاتور ولا بالمس بالوحدة الترابية أو بالمؤسسة الملكية في الاستجواب
المترجم، لأن الأمر يتعلق فقط بمجرد التعبير عن رأي وليس بمباشرة أعمال
إجرامية
فقد التمست النيابة العامة في مرافعتها يوم 13 ماي 2003، تطبيق أقسى
العقوبات في حق المرابط وصحيفتيه. وفي 21 ماي 2003 قضت المحكمة في حق الصحفي
بأربع سنوات سجنا نافدا وبمنع الصحيفتين من الصدور، وبغرامة مالية قدرها 20
ألف درهم. كما استجابت لطلب النيابة العامة بتطبيق الفصل 400 الذي يقضى
باعتقاله فورا وإيداعه السجن.
وقد أصدرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بيانا مباشرة بعد الحكم، عارضت فيه
تطبيق الفصل 400 وطالبت بالإفراج الفوري عن السيد علي لمرابط، وذكرت بموقفها
من الفصل 41 من قانون الصحافة الذي يجرم بكيفية فضفاضة المس بالدين الإسلامي
وبالمؤسسة الملكية وبالتراب الوطني دون تحديد دقيق للفعل الجرمي وللعناصر
المشكلة له.
كما استنكرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية وفدرالية الصحفيين المغاربة
هذا الحكم وطالبتا بالإفراج عن الصحفي.
وقد استأنف دفاع السيد لمرابط الحكم، فقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 17 يونيو
2003 بتخفيض المدة الحبسية إلى 3 سنوات والإبقاء على باقي عناصر العقوبة.
ويقضي السي المرابط حاليا عقوبته بسجن سلا بعد أن خاض إضرابا عن الطعام كاد
يهدد حياته.
حالة السيد مصطفى العلوي
بتاريخ 6 يونيو 2003، أي أقل من 3 أسابيع بعد تفجيرات الدار البيضاء ل 16 ماي
نشر السيد مصطفى العلوي في صحيفته " الأسبوع" رسالة في الصفحة الأولى- أخبر
أنه توصل بها من مجموعة تسمى " الصاعقة" المنشقة عن الصراط المستقيم وهي
عبارة عن بيان لهذه المجموعة بإمضاء "القعقاع"
.
وقد علقت صحيفة الأسبوع على الرسالة بأن " المعلومات التي تتوفر عليها غنية
بالعناصر الجديدة مما يعطيها مصداقية...".
ألقي القبض إثر توزيع الصحيفة على السيد مصطفى العلوي وأحيل على قاضي
التحقيق لدى محكمة الاستئناف بالرباط قصد متابعته بأحد فصول قانون مكافحة
الإرهاب الجديد- الذي كان لم يمض سوى أسبوع واحد على تبنيه من طرف البرلمان
(28 ماي 2003)-
وهو الفصل المتعلق بجريمة الإشادة بأفعال تكون جريمة إرهابية بواسطة مطبوعات
معروضة للبيع. وبعد ما يقرب من شهر قيد الاعتقال الاحتياطي أصدر قاضي التحقيق
قرارا بعدم الاختصاص وبإحالة الصحفي إلى المحكمة الابتدائية ليتابع في إطار
قانون الصحافة بموجب الفصل 42 الذي يعاقب على " من ينشر بسوء نية خبرا زائفا
أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها منسوبة للغير،
إذا أخلت بالنظام العام أو إثارات الفزع بين الناس". كما توبع بفصول من
القانون الجنائي تتعلق بجريمة إخفاء وثيقة خاصة من شأنها أن تسهل البحث عن
الجنايات أو الجنح أو كشف أدلتها أو معاقبة مرتكبيها.
ورغم إن إحالة السيد مصطفى العلوي على المحكمة الابتدائية كانت تتطلب منطقيا
متابعته في حالة سراح إلى أن تقضى المحكمة بحكمها، فقد احتفظ به في السجن قيد
الاعتقال. وقد أثار الدفاع مسألة متابعة المعني بالأمر بتهمتين متناقضتين:
إخفاء وثيقة ( القانون الجنائي) ونشرها ( قانون الصحافة).
كما أثار الدفاع خرق الفصل 72 من قانون الصحافة الذي يقضي بأن " تحرك الدعوى
العمومية باستدعاء تبلغه النيابة العامة أو الطرف المدني قبل تاريخ الجلسة ب
15 يوما على الأقل يتضمن التهمة الموجهة وتحديد صفتها ويشار إلى النص
القانوني الواجب تطبيقه على المتابعة وإلا ترتب عن ذلك بطلان الاستدعاء".
وبعد حوالي شهرين رهن الاعتقال قضت المحكمة الابتدائية في حق الصحفي بعقوبة
حبسية موقوفة التنفيذ فأطلق سراحه!
حالة صحيفة " الشرق" و"الحياة المغربية"
في 5 ماي 2003، أي قبل الأحداث الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء في 16 ماي
2003، نشرت جريدة الحياة المغربية التي يديرها مصطفى قشنني مقالا لزكريا
بوغرارة- أحد الذين يوصفون كمنظرين لما يطلق عليه تيار السلفية الجهادية- كما
نشرت استجوابا كانت أجرته جريدة الشرق الأوسط مع محمد الفيزازي- وهو يعتبر
منظر آخر لنفس التيار.
وبعد الأحداث الإرهابية، بتاريخ 5 يونيو 2003 نشرت جريدة الشرق- وهي تصدر
بوجدة ويديرها محمد الهرد، ويرأس تحريرها عبد المجيد بن الطاهر- نفس المقال
لزكريا بوغرارة ونفس الحوار مع الفيزازي- وقد تم استدعاء الصحفيين الثلاثة،
لدى الضابطة القضائية، بحضور المدير الجهوي لجهاز مراقبة التراب الوطني،
وتم تقديمهم إلى وكيل الملك بابتدائية وجدة حيث تابعتهم بمقتضيات الفصلين 38
و 39 من قانون الصحافة- وهما يعاقبان على التحريض – بواسطة وسائل النشر- على
ارتكاب الجرائم بصفة عامة (الفصل 38) وعلى التحريض على جرائم خاصة: جرائم
المس بأمن الدولة، السرقة، القتل، الحريق، النهب، التخريب بالمواد المتفجرة،
وعلى الإشادة بالجرائم الخمس الأخيرة ( الفصل 39).
وقد أخلي سبيل الصحفيين بعد ذلك ليتم اعتقالهم مرة أخرى خلال الأسبوع الثاني
من يونيو، وتم اقتيادهم مكبلين بالأصفاد مئات الكلمترات إلى مقر الفرقة
الوطنية للضابطة القضائية بولاية أمن الدار البيضاء حيث مكثوا أسبوعا كاملا
لديها وتم استنطاقهم وتحرير محاضر جديدة. وقد أطلق سراحهم لفترة وجيزة ليعاد
اعتقالهم وهم يهمون بمغادرة ولاية الأمن!
وتم تقديمهم بعد يومين إلى قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالرباط ليتابعهم
بمقتضيات قانون الإرهاب ويحيلهم على الاعتقال الاحتياطي بسجن سلا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاعتقال تزامن مع محاكمة علي لمرابط واعتقال مصطفى
العلوي، مما خلق انطباعا بحملة على الصحافة في ارتباط كل ذلك مع المتابعات
والمحاكمات الجارية.
وقد استقدم الصحفيون مرة أخرى في 11 يوليوز 2003 أمام قاضي التحقيق بالرباط
حيث قرر تمتيع عبد المجيد بن الطاهر ومصطفى قشنني بالسراح المؤقت والاحتفاظ
بمحمد الهرد رهن الاعتقال، ومتابعة الجميع بتهمة الإشادة بأعمال إرهابية.
وفي بداية غشت تم تقديمهم للغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بالرباط حيث
حكموا في نفس الوقت رفقة زكرياء بوغرارة وفي نفس الظروف ( أنظر النقطة 5 من
القسمIV
من هذا التقرير). ورغم تبرؤهم من الإرهاب وتأكيدهم على أنهم لا يتبنون أفكار
الأشخاص الذين نشروا مقالاتهم وتصريحاتهم، بدليل أنهم نشروا مواقف وآراء أخرى
تندد بالإرهاب وبالأعمال الإجرامية، فقد قضت المحكمة في حقهم بعقوبات سالبة
للحرية. وهكذا حكم على محمد الهرد بثلاث سنوات سجنا نافدا، وغرامة 10 آلاف
درهم وتوقيف جريدة الشرق عن الصدور لمدة 3 شهور بينما حكم على عبد المجيد بن
الطاهر ومصطفى قشنني بسنة واحدة سجنا وغرامة 5 آلاف درهم وتوقيف الجريدة
لثلاث شهور. وقد طعن الصحفيان بالنقض في الحكم الصادر ضدهما، حيث أنهما حوكما
في حالة سراح، بينما يقضي محمد الهرد عقوبته في سجن سلا.
وقد عبرت الجمعية المغربية للصحافة الجهوية قبل الحكم عن استغرابها من متابعة
محمد الهرد بتهم الإشادة بالإرهاب مؤكدة أن جريدته نشرت 8 مقالات وتصريحات
تندد كلها بالإرهاب في عدد واحد- وثلاث مقالا وخبرا ينددون بالإرهاب في نفس
العدد الذي تضمن مقال زكريا بوغرارة- والذي نقل في نفس الصفحة تصريح الحكومة
ضد الإرهاب.
ومن داخل سجنه اعتبر محمد الهرد أنه ذهب ضحية تصفية حسابات من طرف جهاز
المخابرات بسبب تعامله مع الديبلوماسيين الأجانب، ورفضه التعاون مع الجهاز،
وعلاقته السابقة بكلود جوفينال المدير السابق لوكالة الأنباء الفرنسية (الذي
تم طرده من المغرب) وتعاونه المهني مع علي لمرابط.
ومن جهته اعتبر مصطفى قشنني أن متابعته لها علاقة بطرح جريدته لمواضيع وملفات
حول الفساد داخل مختلف الأجهزة بالجهة وفضحها لكل أشكال التعسف والابتزاز
واستغلال النفوذ...
إن متابعة الصحفيين وبعض المحامين، ويتعلق الأمر بكل من عبد الله العماري
والفيلالي أزميري أحمد،
بالقضايا الإرهابية، وفي خضم المتابعات والمحاكمات المتعلقة بها، يدفع لإلقاء
أسئلة حول تأثير ذلك على دور ومواقف الصحافة والدفاع- أي دور المحامين
والصحفيين من المحاكمات نفسها. وقد يؤثر على استعدادهم للقيام بواجبهم المهني
بشكل طبيعي ودون خوف من المتابعة أو الانتقام- وذلك في فترة حرجة تلقى عليهم
أكثر من غيرهم مسؤوليات جسيمة إزاء المجتمع وإزاء الأفراد، لتنوير الرأي
العام بموضوعيه وتجرد من جهة، والحرص على حماية حقوق المجتمع وحقوق الأفراد
من جهة أخرى.
IV-
الانتهاكات خلال سريان المحاكمة
لقد ارتبطت الانتهاكات خلال هذه المرحلة الحاسمة بالتشكيلة غير القانونية
لبعض هيآت الحكم حسب دفاع المتهمين. كما ارتبطت بخرق منهجي لحقوق المتهمين
وحقوق الدفاع. وجرى تقييد علنية الجلسات أحيانا. وحوكم بعض المتهمين مرتين.
وتوج الأمر بجلسات ماراطونية لم تسمح بالتروي ولا بتفريد المسؤوليات. وأسفرت
عن أحكام قاسية في أغلب القضايا.
1- منازعة شرعية وتشكيل الهيأة القضائية بالدار البيضاء
منذ قضية ما سمي " بالخلية النائمة" للقاعدة، وعلى إثر تغيير رئيس غرفة
الجنايات، تاريخ محامو المتهمين في شرعية تشكيل الهيأة القضائية، التي أصبحت
غير قانونية في نظرهم، وذلك استنادا على الفصل 11 من ظهير الإجراءات
الانتقالية ل 15 يوليوز 1974، الذي ينص على أن غرف الجنايات لمحاكم الاستئناف
تتألف من رئيس وأربعة مستشارين تنتخبهم الجمعية العامة بمحكمة الاستئناف، حيث
يعين الرئيس من بين رؤساء الغرف، ويعين الآخرون من بين المستشارين. فالرئيس
الجديد للغرفة الجنائية لم يعين طبقا لهذه المسطرة بل استقدم من المحكمة
الابتدائية ( الفداء) بالدار البيضاء التي كان رئيسا لها. ولم يكن بالتالي
رئيس غرفة في محكمة الاستئناف، كما لم تعينه الجمعية العمومية لقضاة هذه
المحكمة التي انعقدت بتاريخ 26 دجنبر 2002.
وقد أسفر هذا التغيير على تضييق شديد على حقوق المهتمين وحقوق الدفاع (أنظر
ما سيأتي) وبقيت هذه التشكيلة المطعون في قانونيتها هي المكلفة بالبث في
القضايا الأخرى المتعلقة بما أطلق عليه " السلفية الجهادية" كمجموعة يوسف
فكري أو المجموعات ذات الصلة بأحداث 16 ماي 2003.
2- التضييق على حقوق المهتمين وحقوق الدفاع
إن هذا التضييق لم يكن ساريا فقط بالنسبة للمحاكمات التي جرت أمام جنايات
الدار البيضاء، بل تكرر أمام جنايات الرباط وفاس على سبيل المثال. لقد تمثل
التضييق في رفض المحكمة لكل الدفوعات والطلبات التي تقم بها المحامون وذلك
بشكل منهجي.
إن دفوعات المحامين تسبق أوجه دفاعهم في الجوهر، فالدفوعات تثار في البداية
وتتعلق بالإجراءات التي يفرضها القانون ولاسيما قانون المسطرة الجنائية أو
القانون الجنائي. أما أوجه الدفاع فتتعلق بموضوع المتابعة وفيها يسعى المحامي
إلى دحض الاتهامات ووسائل الإثبات وتقديم أوجه الدفاع خلال مناقشة القضية.
لقد دفع المحامون أمام غرفة الجنايات في الدار البيضاء، الرباط وفاس حسب
تحريات المنظمة غالبا بالطلبات الأولية والدفوعات الشكلية التالية طبقا للفصل
318 من قانون المسطرة الجنائية:
أ- الدفع بعدم الاختصاص:
فقد أثار المحامون عدم الاختصاص المكاني في عدة ملفات منها ملف روبير ريشارد
و " خلية سلا" وغيرها، أمام استئنافية الرباط، كما أثير عدم الاختصاص النوعي
في هذه القضايا حيث رأى المحامون أنها لا تدخل تحت طائلة قانون الإرهاب الذي
لا يجب أن يطبق على قضايا ووقائع سابقة لتبنيه ودخوله حيز التنفيذ، فرفضت
المحكمة بدون تعليل؛
ب- طلب إحضار المحجوزات:
في كل ملفات " الإرهاب" التمس المحامون من المحكمة بالرباط إحضار المحجوزات
قبل مناقشة القضية، لأنها اعتبرت وسائل إثبات ضد المتهمين، غير أن المحكمة
رفضت هذا الطلب أيضا، وبدون تعليل، وهي سابقة في القضاء المغربي، فلم يسبق
للقضاء العسكري نفسه أن رفض مثل هذه الطلبات؛ كما لم ترفض محكمة الدار
البيضاء إحضار المحجوزات في القضايا التي نظرت فيها والتي لها علاقة بالأعمال
الإرهابية.
ج- الدفع بفصل الملفات:
ذلك أن عددا من المتهمين لا تربطهم علاقة مع الآخرين، فهم ليسوا طرفا في
المجموعة التي نسب إليهم الانتماء إليها. وقد حصل ذلك في عدة ملفات أمام
جنايات الدار البيضاء في قضية يوسف فكري، وحصل في قضية المتابعين التسعة
والعشرين أمام جنايات فاس في نهاية يوليوز الماضي، وحصل في الملفات التي
عرفتها غرفة الجنايات بالرباط في غشت وشتنبر 2003. فدفاع عدد من المتهمين
أشار إلى كونهم لا تربطهم علاقة بباقي المعتقلين.
د- الدفع بانعدام حالة التلبس:
فأغلب المتهمين لم يضبطوا في حالة تلبس بارتكاب الجريمة طبقا للفصل 58 من
المسطرة الجنائية (أنظر النقطة III
– 4 أعلاه).
هـ- الدفع بخرق مدة الحراسة النظرية وشروطها:
فكثير من المتابعين تعرضوا للاختطاف والاحتجاز والتعذيب كما أن عددا من
الملفات لا تتضمن الإذن الكتابي الذي يبرر تمديد الوضع تحت الحراسة.
و- عدم إشعار العائلة:
فالشرطة القضائية لم تحترم القانون وبذلك حرمت المتهمين من حقهم في الدفاع
كما حرمت عائلاتهم من الاطمئنان على مصيرهم وتوفير سبل الدفاع عنهم بتنصيب
المحامين.
ز- الدفع بخرق المقتضيات المتعلقة بالتفتيش:
وضبط المحجوزات وإنجاز المحاضر بسرعة ومسك الدفاتر.
ح- الدفع بخرق حقوق المتهمين أمام قاضي التحقيق:
حيث لم يشعرهم بحقوقهم ( انظر النقطةIII
–5 أعلاه).
وحيث أن أغلب هذه الإجراءات يترتب عن خرقها البطلان وبالتالي بطلان المحاضر
والإجراءات المترتبة عنها والتي على أساسها تتم متابعة المتهمين ومحاكمتهم،
فقد تشبث الدفاع أمام المحكمة بالحكم ببطلان هذه الإجراءات، وتشبث الدفاع
بوجه خاص بوسيلة دفع رئيسية، كان مصيرها كمصير سابقاتها، ويتعلق الأمر
باستدعاء الشهود.
ط- رفض الوسيلة الوحيدة المتبقية للدفاع: شهادة الشهود:
حسب عدد من المحامين الذين التقتهم المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في بداية
أكتوبر بالدار البيضاء أو الرباط فقد كان أحد أهم مطالب المحامين هو استدعاء
الشهود. وهذا الدفع الأولي تتيحه عدد من فصول المسطرة الجنائية ولاسيما
الفصول 319-430-464-465 و470. وهو فوق كل ذلك الوسيلة الأساسية لدفاع
المتهمين الذين استندت متابعتهم ومحاكمتهم على محاضر متابعين آخرين، وتتضمن
بالتالي شهودا يوجدون في يد العدالة، ويسهل عليها استقدامهم والاستجابة بذلك
لطلبات الدفاع. كما أنهم سيفيدون المحكمة في تكوين اقتناعها الصميم. حيث أن
المحاضر في القضايا الجنائية تعتبر مجرد بيانات يمكن إثبات عكسها بمختلف
وسائل الإثبات طبقا للمادة 293 من قانون المسطرة الجنائية. وفوق كل ذلك، فإن
الاعتداد بمجرد محاضر منازع في سلامتها ولا تزكيها أدلة مادية لتأسيس أحكام
قد تصل إلى الإعدام، لا يسمح للقاضي أن يحكم حسب اعتقاده الصميم طبقا للمادة
288 من قانون المسطرة الجنائية. كما أن رفض الاستماع إلى الشهود في الوقت
الذي تقبل فيه كل طلبات سلطة الاتهام لا يسمح بتوازن أسلحة الخصوم. وهو فوق
ذلك يتجاهل مقتضيات المادة 289 (م.ج) التي تنص: " لا يمكن للقاضي أن يبني
مقرره إلا على حجج عرضت أثناء الإجراءات ونوقشت شفاهيا وحضوريا أمامه".
لقد قدم المتهمون بواسطة دفاعهم لوائح الشهود الذين غالبا ما ورد ذكرهم في
المساطير المرجعية التي على أساسها يحاكمون، غير أن المحاكم لم تتعامل بشكل
يضمن حقوق الدفاع، فقد كانت تعلن أنها ستؤجل البث في طلب استدعاء الشهود إلى
حين انتهاء المناقشة، وعندما تنتهي المناقشة يعيد المحامون التشبث باستدعاء
الشهود فتختلي المحكمة وتعود لتقرر أنها قررت ضم الطلب إلى الجوهر، أي عمليا
إلى حين تصريحها بالحكم، وعندئذ، وبعد فوات فرصة الاستماع إلى الشهود، كانت
تعلن رفض الطلب! لقد كان يتعين على المحكمة أن تقبل الطلبات بصفتها أهم وسيلة
للدفاع، ولا شئ يمنعها بعد ذلك من الحكم حسب اقتناعها الصميم.
لقد بلغ النزاع بين المحامين وقضاة المحكمة أحيانا درجة دفعت المحامين إلى
الانسحاب كما حصل في قضية حسن الكتاني ومحمد الرفيقي المكني" أبي حفص" وهشام
صابر، المتابعين أمام جنايات الدار البيضاء في 23 شتنبر 2003. ففي بلاغ
أصدرته هيأة الدفاع لتفسير انسحابها اعتبرت "أن التهم الخطيرة الموجهة
للمتهمين استندت إلى تصريحات لبعض المتابعين مضمنة بمحاضر الشرطة القضائية ثم
ضمها إلى ملف القضية تتهمهم بالانتماء إلى السلفية الجهادية والتحريض على
العنف، وأن غرفة الجنايات بعد أن قررت تأجيل البث في طلب الدفاع باستدعاء
الشهود إلى حين انتهاء المناقشة، عادت وقررت ضمه إلى الجوهر، وهو ما يعني
رفضا ضمنيا للطلب، وبذلك جردت المحاكمة من أهم ضمانات المحاكمة العادلة ومن
حقوق الدفاع مما جعل مهمة الدفاع مستحيلة".
وقد قررت المحكمة بعد انسحاب الدفاع تعيين محام في إطار المساعدة القضائية،
ورغم رفض المتهمين لذلك وتمسكهم بدفاعهم الأصلي، ورغم طلب المحامي الجديد
مهلة لإعداد الدفاع، فقد قررت المحكمة اعتبار القضية جاهزة ومناقشتها بدون
دفاع! معطية الكلمة لممثل النيابة العامة الذي عرض مرافعته وختمها بالتماس
إدانة المتابعين بأقصى العقوبات. وقد عادت المحكمة بعد يومين من ذلك أي في 25
شتنبر 2003 لتقضي في حق" أبي حفص" بثلاثين سنة حبسا نافذة وفي حق حسن الكتاني
ب 20 سنة حبسا نافذة- وتبرئة هشام صابر.
إن التضييق على حقوق الدفاع هو نسف لشروط المحاكمة العادلة ولا يسهم في الكشف
عن الحقيقة ويقود إلى أحكام ظالمة.
3- خرق مبدإ عدم المحاكمة مرة ثانية
تنص الفقرة السابعة من المادة 14 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية
والسياسية- الذي صادق عليه المغرب منذ 1979- على أنه " لا يجوز محاكمة أحد أو
معاقبته مرة ثانية عن جريمة سبق له أن نال حكما نهائيا بها أو أفرج عنه طبقا
للقانون والإجراءات الجنائية للبلد المعني".
إن هذه القاعدة المنطقية المعروفة بمبدإNon bis in
idem
تم خرقها في المحاكمة التي تمت أمام غرفة الجنايات باستئنافية فاس في يوليوز
2003، ففي إطار مجموعة " مصطفى التاقي" التي توبع فيها 29 متهما، وصفوا
بكونهم ينتمون لتيار السلفية الجهادية، بتكوين عصابة إجرامية والاختطاف
والعنف …إلخ- كان من بين المتهمين أربعة سبق أن أدينوا سنة 2003 من قبل
المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بفاس بعدد من التهم المشابهة، وقضوا
عقوبات حبسية تتراوح بين 6 شهور وسنة- وهم محمد بنحمو ومحمد زغنانة وامحمد
بندالي ولفضيل الحمامي.
وقد صرح محام رافع في هذه القضية أن أحد أسباب مرافعته ترجع لكونه سبق أن
رافع عن بعض هؤلاء المتابعين- وبلغ إلى علمه أنهم يحاكمون من جديد بسبب نفس
الأفعال.
4- تقييد علنية بعض الجلسات
لقد أكدت الصحافة
في نفس القضية المشار إليها أعلاه ( مجموعة مصطفى التاقي) تقييد علنية الجلسة
في محاكمات فاس وذلك بمنع عائلات المتهمين من طرف رجال الشرطة من دخول
المحكمة ( وليس فقط قاعة الجلسات). واقتصر الحضور في القاعة على رجال الشرطة
بلباس مدني أو رسمي. ولم يتمكن سوى بعض الصحفيين من دخول القاعة. مما دفع
محامين من هيئة الدفاع إلى مطالبة المحكمة بالبث في ما إذا كانت الجلسة علنية
أو سرية. وبعد المداولة اعتبرت المحكمة أن الجلسة علنية، ورفضت طلب الدفاع
بالسماح لعائلات المتهمين بدخول القاعة.
وتقضي المادة 301 من قانون المسطرة الجنائية بأن إجراءات المحاكمة يجب أن تتم
في جلسات عمومية وعلنية تحت طائلة البطلان، باستثناء الحالات المنصوص عليها
في المادتين 302 و 303 ( منع الأحداث من طرف رئيس الجلسة من دخول القاعة إذا
رأى أن دخولهم غير مناسب، أو إذا قررت المحكمة عقد جلسة سرية إذا رأت في
العلنية خطرا على النظام العام أو على الأخلاق) أو في القضايا المتعلقة
بالأحداث.
ومبدأ علنية الجلسات يساهم في إقرار نوع من رقابة الرأي العام بما فيه
الصحافة على سريان المحاكمة. فالعدالة لا يجب فقط أن تحترم القانون، بل يجب
أن تشاهد وهي تحترم القانون. إنها مثل الميزان الذي يحرص الناس على معاينته.
وحتى في القضايا ذات الطبيعة الأمنية التي يخشى فيها تهديد الأمن والنظام،
فإن على السلطات العمومية أخذ الاحتياطات اللازمة لحماية محيط المحكمة، أما
قاعة المحكمة التي تجرى فيها المحاكمات، فيجب أن تتاح للعموم وللصحافة إلى
الحد الذي يسمح بسريان المحاكمة في ظروف معقولة. والقرار في منع المزيد من
الحضور يرجع إلى القاضي متى أصبح الاكتظاظ لا يسمح بسريان جيد للمحاكمة مثلا.
وقد أوردت الصحافة أيضا تقييد العلنية أثناء محاكمة مجموعة زكريا بوغرارة
ومجموعة من الصحفيين ( من وجدة) بمحكمة الاستئناف بالرباط يوم الإثنين 4 غشت
2003، حيث كانت الساحة المقابلة للمحكمة معزولة ومطوقة بسيارات رجال الأمن
وبالشرطة من كل الأنواع، ومنعت مرور الراجلين بها، ووضعت نقطا للتفتيش عند
الباب الرئيسي، ومنعت الصحفيين من إدخال آلات التسجيل، كما منعهم بعض رجال
الأمن دخول القاعات حتى بعد التخلص من آلاتهم، ولم يسمح لهم بالدخول إلا بعد
تدخل أحد المسؤولين الأمنيين.
5- جلسات ماراطونية أسفرت عن محاكمات جماعية سريعة
لقد كان هناك إجماع بين المحامين والصحافة التي تتبعت أطوار المحاكمات على
الطابع السريع والمرهق للمحاكمات. فما بين يوليوز، غشت وشتنبر 2003، حكمت
عشرات الملفات في قضايا كبيرة وبتهم خطيرة، وبعضها يضم عددا كبيرا من
المتابعين. لقد خلق هذا انطباعا، وربما اقتناعا، بأن المحاكم متعجلة، وربما
كانت مدفوعة إلى تصفية الملفات في أقرب الآجال.
لقد أكد محامون للمنظمة بأنه كان هناك تسابق مع الوقت في هذه الملفات. وكتبت
أسبوعية الأيام في عنوان لها: "عرفت سرعة قياسية في الصيف المنصرم: محاكمات
غيرت وجه المغرب".
وكتبت أسبوعية الصحيفة تحت عنوان: "أقصر محاكمة بأقصى العقوبات"
وهي تتحدث عن محاكمة مجموعة يوسف فكري أمام جنايات الدار البيضاء التي قضي
أمرها في أربع جلسات بين 4 يوليوز و11 يوليوز 2003، وصدرت فيها 10 أحكام
بالإعدام و 8 بالمؤبد و 7 بعشرين سنة و 5 بعشر سنوات.
وفي عنوان فرعي كتبت الأحداث المغربية: "محاكمة اليوم الواحد". وهي تتحدث عن
محاكمة مجموعة وجدة أو مجموعة زكريا بوغرارة ومجموعة من الصحفيين أمام جنايات
الرباط، ولاحظت: " كان واضحا أن رئيس الجلسة مصر على إنهاء الملف في نفس
اليوم، فلم يسمح برفع الجلسة إلا لبضع دقائق حوالي الساعة الثانية والنصف
زوالا، قبل أن يرضخ لطلب الدفاع بضرورة رفع الجلسة للسماح للجميع بالتقاط
الأنفاس لمدة ساعة بين الرابعة والنصف والخامسة والنصف. وقد استؤنفت الجلسة
بعد ذلك حتى حوالي التاسعة والنصف، لتختلي الهيأة للمداولة لمدة ساعتين والكل
ينتظر. وفي الحادية عشرة والنصف ليلا هرع الجميع إلى قاعة المحكمة حيث لم
يسمح بالدخول إلا للصحفيين من العموم وبعض رجال الأمن وبقيت عائلات المتهمين
بالخارج، ونودي على المتهمين إلى قفص الاتهام وتلا الرئيس نص الحكم.
لقد حملت الرغبة في الإسراع بالانتهاء من الملفات على عقد جلسات ماراطونية.
وتزامنت هذه الجلسات مع فصل الصيف، وقاعات الجلسات تعرف عادة حرارة إضافية،
مما يقود إلى أوضاع نفسية وجسدية غير مريحة، بحيث لا تترك للمتهمين أو للدفاع
أو للقضاة فرصة للعمل في فترات يحتاج فيها الإنسان لكل ملكاته الحيوية. سواء
للدفاع عن نفسه (المتهمين) أو عن موكليه (المحامين) أو للتروي والتبصر لتكوين
الاقتناع الصميم (القضاة). لقد عمل الجميع تحت ضغط شديد لا مبرر له قانونيا
أو موضوعيا، ويحتمل أخطارا جسيمة على شروط المحاكمة العادلة.
مخاطر السرعة والضغط
لقد أدت هذه الظروف إلى محاكمات بالجملة، فلم تسمح بفصل الملفات أو تفريد
دقيق للمسؤوليات. لقد تكون انطباع بأنه ينظر إلى كافة المعتقلين كما لو كانوا
يشكلون تنظيما واحدا، يتحمل فيه كل معتقل مسؤولية الجرائم التي يرتكبها
الآخرون. وقد تعزز هذا الانطباع بتصنيفات السلطات المغربية لأغلب المتابعين
على أنهم ينتمون " لتيار السلفية الجهادية". وجارتهم في ذلك عدد من وسائل
الإعلام. وحسب محامين راقبوا المحاكمات بالدار البيضاء، فقد ساد نوع من
النمطية في التهم ولاسيما عندما رفضت طلبات المحامين بفصل الملفات أو
باستدعاء الشهود. لقد تسرب الشك إلى النفوس حول ما إذا كانت المحاكم تريد
فعلا معرفة الحقيقة وإقرار العدالة بالنسبة لكل شخص. أو هي تصر على الإدانة
طبقا للمحاضر ولملتمسات النيابة العامة وفي أسرع وقت ممكن. إن لمعرفة الحقيقة
وإقرار العدالة ثمنا. والتروي ومقارعة الحجج وأخذ الوقت لإنضاج الاقتناع
الصميم أمر ضروري لأنه يتعلق بمصير أشخاص وعائلات وأطفال، ويتعلق أيضا بمصير
مجتمع بأسره. فكلما عدلت محاكمه ودقت مساطيره قربته من الحقيقة وأبعدته عن
الضلال ومخلفات الظلم وروح الانتقام.
لقد جرت محاكمات تتعلق بالإرهاب في عدة دول من بينها ألمانيا، فرنسا،
إسبانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، أندونسيا وغيرها، واستغرقت التحقيقات
والمحاكمات شهورا، بل سنوات عديدة قبل البث فيها، لأن الأمر يتعلق بتهم خطيرة
يتعين تدقيق البحث فيها لمعرفة الحقيقة وإصدار الأحكام العادلة.
" حكمة السرعة "
لقد افترض بعض المحامين أن الهدف من السرعة كان هو البث في أهم الملفات قبل
فاتح أكتوبر 2003، وهو تاريخ دخول القانون الجديد للمسطرة الجنائية حيز
التنفيذ. ذلك أن القانون الجديد تضمن ميزة كبيرة وهو الحق في استئناف قرارات
غرف الجنايات ( المادة 457). فالإسراع بالبث قبل 1 أكتوبر يؤدي إلى حرمان
المحاكمين من هذا الحق لأنهم حوكموا في ظل قانون المسطرة الجنائية القديم
الذي لا يتضمنه.
وقد علمتنا محاكمات أخرى بمناسبة أحداث اجتماعية مؤلمة ( أحداث الدار البيضاء
في يونيو 1981 وأحداث فاس في دجنبر 1990 على سبيل المثال) أن المحاكم تجنح
إلى السرعة، والقيام بمحاكمات جماعية، ولا يكون تفريد المسؤوليات والعقوبات،
ومعرفة الحقيقة بدقة، من الأولويات. وبسبب الأبعاد السياسية للمحاكمات يتقلص
هامش سيادة القضاء واستقلاله.
وقد لاحظ بعض المحامين في شهادتهم للمنظمة على هامش هذه المحاكمات،
ولاسيما بمدينة الدار البيضاء، ما اعتبره نوعا من الإخراج المسرحي. يتجلى في
كيفية استقدام المتهمين في مواكب من السيارات تحيط بها الدراجات الضخمة
للشرطة، وتطلق صفارات، وتشع ألوان أضوائها في واضحة النهار، إضافة إلى كثرة
الاحتياطات الأمنية وتقديم المتابعين في أقفاص زجاجية. إن هذه الشكليات تخلق
مناخا خاصا، وترسل إشارات في عدة اتجاهات. وهي لا تعدم تأثيرا على مجريات
العدالة.
6- أحكام قاسية
ما من شك في أن عددا من المتابعين تورطوا في أفعال إجرامية يستحقون عليها
أقسى العقوبات، مع ملاحظة أن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تناهض عقوبة
الإعدام انسجاما مع التوجه الذي تدعو إليه المعايير الدولية ومطالب الحركة
العالمية لحقوق الإنسان. غير أن العديد من المتابعين أدينوا- بالنظر إلى
اختلال العديد من شروط المحاكمة العادلة- بعقوبات قاسية جدا. وتعتقد المنظمة
المغربية لحقوق الإنسان أن الكثيرين لو تمتعوا بشروط محاكمة عادلة في كل
جوانبها لربما كانوا سيدانون بعقوبات أقل قسوة بكثير. وربما برئت ساحة
الكثيرين. لقد حكم بعشرة أحكام بالإعدام في قضية مجموعة يوسف فكري في 5
يوليوز2003 بالدار البيضاء، وبأحكام شديدة أخرى في نفس الملف. وحكم بأربعة
أحكام بالإعدام في المتابعين بتفجيرات الدار البيضاء الإرهابية بتاريخ 19 غشت
2003 بجنايات الدار البيضاء، وبأحكام شديدة القسوة في حق أغلب أعضاء
المجموعات المرتبطة بها من طرف نفس المحكمة، فقد أصدرت 39 حكما بالمؤبد و 15
حكما بثلاثين سنة سجنا نافذا و15 حكما ب 20 سنة سجنا نافذا و 9 أحكام بعشر
سنوات وحكمين بثمان سنوات وآخر بست سنوات وشخصين ب 10 شهور.
كما كانت أحكام جنايات الدار البيضاء في نهاية شتنبر 2003 قاسية جدا في حق
حسن الكتاني ( 20 سنة) وأبو حفص (30 سنة)، لقد حوكموا من أجل آرائهم بدعوى
تحريضهم على العنف. وفي غياب عناصر إثبات دقيقة، وأمام حرمانهم من وسائل دفاع
أساسية، ومع تبرؤهم من العنف وإدانتهم له في عدة بيانات أصدروها من سجنهم
بسلا عقب أحداث 16 ماي 2003، فإنه يصعب اعتبار الأحكام عادلة في حقهم، وهذه
حالة آخرين اعتبروا من منظري أو شيوخ ما سمي بالسلفية الجهادية، وحالة بعض
الصحفيين.
ومن جهتها حكمت جنايات الرباط بالمؤبد على شخصين، وب 20 سنة في حق ثلاثة ضمن
مجموعة عبد الغني بن الطاوس، وب 10 سنوات على زكريا بوغرارة واثنين من
المتابعين معه، وحكمت بثلاث سنوات على الصحفي محمد الهرد وبسنة على صحفيين
آخرين (مصطفى قشني وعبد المجيد بن الطاهر). وحكمت نفس المحكمة في 18 شتنبر
2003 بثلاث أحكام بالمؤبد ضمن مجموعة الفرنسي بيار ريشارد روبير بما فيهم هو،
وب 30 سنة في حق شخص واحد و ب 20 سنة في حق ستة أشخاص و 15 سنة في حق 5
متهمين، وب 10 سنوات في حق 10 متهمين وب 5 سنوات في حق أربعة متهمين... وفي
مجموعة سعيد السرايري بعد ذلك بيومين قضت نفس المحكمة في 20 شتنبر ب 15 سنة
في حق متهمين اثنين و 12 سنة في حق اثنين آخرين وب 10 سنوات في حق 5 متابعين
وب 6 سنوات في حق متهمين اثنين آخرين...
7- ظروف سجن قاسية
لقد سبقت الإشارة إلى تأثير الأحداث والاعتقالات على أوضاع السجون بصفة عامة
قبل المحاكمات وإلى البيانات التي أصدرتها مجموعات من السجناء وعائلاتهم(
انظر النقطةIII
). وبهذا الصدد، فإن نفس الأوضاع استمرت بعد المحاكمات. وما يهمنا في هذه
المرحلة هو وضعية الأشخاص الذين أدينوا وسجنوا بعد المحاكمات. فقد نشرت بعض
الصحف
شكاية بعض السجناء من مجموعات ما يطلق عليه بالسلفية الجهادية من ظروف سجنهم،
كسجن "عكاشة" على سبيل المثال. حيث اشتكى 27 نزيلا من العزلة في زنازن
انفرادية ضيقة (عرضها متر ونصف وطولها ثلاثة أمتار بما فيها المرحاض) مما أدى
إلى ظهور وتفاقم أمراض متعددة من بينها السل الرئوي (حالة نور الدين الغرباوي).
كما اشتكوا من سوء التغذية، وقلة العناية الطبية، والحرمان من الفسحة
الكافية، مما أدى بأحدهم إلى محاولة الانتحار (منصور ميلود). وقد طالب
المشتكون بالتدخل لتحسين ظروفهم وزيارتهم من طرف اللجان المختصة بالسجون.
وفي سابقة فريدة بعثت مجموعة من الحراس بالسجن المركزي بالقنيطرة رسالة إلى
الصحف يؤكدون فيها أنهم رأوا " ظلما وجورا لا يستطيع إنسان يحمل ضميرا أن
يتحمله " وذكروا من المضايقات التي يتعرض لها " السجناء السلفيون" اقتصار
فترة الفسحة التي يخرجون فيها من الزنازن على نصف ساعة صباحا ومثلها مساء،
داخل ساحة صغيرة لا تزيد على أربعة أمتار مربعة؛ والحرمان من تناول الوجبات
الساخنة. كما أنهم يتحدثون مع أسرهم عندما تزورهم عبر نافذتان مشبكتان
يفصلهما متران ويقف بينهما حارس، ويمنعون من تسلم الأغراض التي تحملها
الأسرة، ولا يمكنهم قضاء أكثر من ربع ساعة معها عكس باقي السجناء الذين
يلتقون بأسرهم في مقهى السجن ويتسلمون كل ما تأتي بعه من ملابس ومأكولات
وأفرشة. وبالتالي يقتصرون على أغطية السجن، كما يحرمون من استعمال الهاتف
للاتصال بأسرهم، ومن العلاج في المستشفيات ومن مراسلة أسرهم، وتخضع زنازنهم
للتفتيش يوميا، كما حرموا من معاشرة زوجاتهم في الغرف المخصصة لذلك، ومن
التوفر على وسائل الاتصال والجرائد والكتب، وكل ذلك خلافا لباقي السجناء..
إن هذا التمييز وهذه المعاملة غير مقبولين. وهما يخرقان الدستور وكذا القانون
المغربي للسجون، الذي يراعي المعايير العصرية التي تحكم معاملة السجناء والذي
يتم خرقه اليوم بدون عقاب!.
précèdent
suivant
|